ابن كثير
41
البداية والنهاية
السنة ، عن خمس وثمانين سنة . فلما مات نصر تمكن أبو مسلم وأصحابه من بلاد خراسان ، وقويت شوكتهم جدا ، وسار قحطبة من جرجان ، وقدم أمامه زياد بن زرارة القشيري ، وكان قد ندم على اتباع أبي مسلم ، فترك الجيش وأخذ جماعة معه وسلك طريق أصبهان ليأتي ابن ضبارة ، فبعث قحطبة وراءه جيشا فقتلوا عامة أصحابه ، وأقبل قحطبة وراءه فقدم قومس وقد افتتحها ابنه الحسن فأقام بها ، وبعث ابنه بين يديه إلى الري ثم ساق وراءه فوجده قد افتتحها فأقام بها وكتب إلى أبي مسلم بذلك . وارتحل أبو مسلم من مرو فنزل نيسابور واستفحل أمره ، وبعث قحطبة بعد دخوله الري ابنه الحسن بين يديه إلى همدان ، فلما اقترب منها خرج منها مالك بن أدهم وجماعة من أجناد الشام وخراسان ، فنزلوا نهاوند ، فافتتح الحسن همدان ثم سار وراءهم إلى نهاوند ، وبعث إليه أبوه بالامداد فحاصرهم حتى افتتحها . وفي هذه السنة مات عامر بن ضبارة ، وكان سبب ذلك أن ابن هبيرة كتب إليه أن يسير إلى قحطبة وأمده بالعساكر ( 1 ) ، فسار ابن ضبارة حتى التقى مع قحطبة في عشرين ألفا ، فلما تواجه الفريقان رفع قحطبة وأصحابه المصاحف ونادى المنادي : يا أهل الشام ، إنا ندعوكم إلى ما في هذا المصحف ، فشتموا المنادي وشتموا قحطبة ، فأمر قحطبة أصحابه أن يحملوا عليهم ، فلم يكن بينهم كبير قتال حتى انهزم أصحاب ابن ضبارة ، واتبعهم أصحاب قحطبة فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، وقتلوا ابن ضبارة في العسكر [ لشجاعته فإنه لم يول ] وأخذوا من عسكرهم ما لا يحد ولا يوصف . وفيها حاصر قحطبة نهاوند حصارا شديدا حتى سأله أهل الشام الذين بها أن يمهل أهلها حتى يفتحوا له الباب ، ففتحوا له الباب وأخذوا لهم منه أمانا ، فقال لهم من بها من أهل خراسان : ما فعلتم ؟ فقالوا : أخذنا لنا ولكم أمانا ، فخرجوا ظانين أنهم في أمان ، فقال قحطبة للأمراء الذين معه : كل من حصل عنده أسير من الخراسانيين فليضرب عنقه وليأتنا برأسه ، ففعلوا ذلك ولم يبق ممن كان هرب من أبي مسلم أحد ، وأطلق الشاميين وأوفى لهم عهدهم وأخذ عليهم الميثاق أن لا يمالئوا عليه عدوا . ثم بعث قحطبة أبا عون إلى شهر زور ، عن أمر أبي مسلم في ثلاثين ألفا فافتتحها ، وقتل نائبها عثمان بن سفيان . وقيل لم يقتل بل تحول إلى الموصل والجزيرة وبعث إلى قحطبة بذلك ، ولما بلغ مروان خبر قحطبة وأبي مسلم وما وقع من أمرهما ، تحول مروان من حران فنزل بمكان يقال له الزاب الأكبر .
--> ( 1 ) في ابن الأثير 5 / 398 وابن الأعثم 8 / 172 كان عسكره مائة ألف . ( وفي الطبري 9 / 113 ) وفي رواية في الطبري وابن الأثير : خمسين ومائة ألف .